محمد عبده لـ DW: الفن في جيناتي ولا أغني من أجل الشهرة أو المال

محمد عبده لـ DW: الفن في جيناتي ولا أغني من أجل الشهرة أو المال

أحيا الفنان السعودي محمد عبده حفلين في أوبرا غارنييه في باريس، ليكون بذلك أول فنان عربي يقف على هذه الخشبة التاريخية. عرف الحفلان إقبال جمهور عربي جاء خصيصا من دول عربية وأوروبية.

محمد عبده خص دوتش فيليه بتصريحات عن الحفل.تحت أشعة شمس قوية كان العشرات يقفون في صف طويل أمام مدخل أوبرا غارنييه في باريس، استعدادا لدخول حفل المطرب السعودي محمد عبده. كان المشهد مثيرا للمارة من الفرنسيين والسياح الذين توقفوا للاستفسار عن هوية الفنان الذي يُحيي حفلا في الأوبرااليوم.

الإقبال الكبيرهو ما دفع أوبرا باريس لأن تقوم باستثناء وتنظم حفلين متتابعين لفنان واحد، بعد أن نفدت تذاكر الحفل الأول وتلقت احتجاجا من الكثير من المعجبين، الذين لم يجدوا مكانا في الحفل الأول. لذلك لم يكن غريبا أن تنفذ تذاكر الحفل الثاني هي الأخرى.

عن نجاح الحفلين يقول الفنان محمد عبده لـ دوتش فيليه: « إنه أولا فضل من الله تعالى الذي وفقنا، ثم إن الظروف كانت مهيئة أيضا فيما يتعلق بالمسرح وإمكانياته وتقنياته، بالإضافة إلى الاستعدادات الكبيرة التي تصاحب عادة أي حفل من هذا النوع ». ثم أضاف أحد الحاضرين: « والأهم صوت وأغاني محمد عبده »، فابتسم فنان العرب شاكرا.

محمد عبده فنان العرب و »الشباب »

لم يأت الجمهور من فرنسا فقط وإنما قدم الكثيرون من مناطق مختلفة من الدول العربية والأوروبية: من السعودية، من الكويت، من الإمارات، من مصر، من المغرب ودول أخرى…اللافت للانتباه أن أغلبهم شباب صغير في السن عاشق لمحمد عبده. قالوا إنهم يودون عيش هذه اللحظة التي يرونها تاريخية، بغناء فنانهم المفضل في أوبرا باريس، كأول فنان عربي غير أوبرالي يحيي حفلا في أوبرا غارنييه.

« إن محمد عبده حالة فنية فريدة في العالم العربي، إنه عمليا مطرب لثلاثة أجيال » يقول معاذ شاب جاء من الإمارات خصيصا ليحضر الحفل. فالعمر الفني لمحمد عبده يمتد على مدار ستة عقود بعد أن بدأ مسيرته الفنية في سن صغيرة سنة 1961، تاركا حلمه بأن يصبح بحارا من أجل الفن، هو الذي كان قد تخصص في دراسة صناعة السفن في المعهد الصناعي في السعودية.

بعد ستين عاما حافلة بمئات الأغاني والحفلات يُطرح السؤال عن الحلم الذي يريد محمد عبده أن يحققه اليوم، ليجيب عن سؤال دوتش فيليه: « الأحلام لا تنتهي، بالنسبة لي شخصيا لا أمتهن الفن من أجل الشهرة أو الانتشار أو المال. الفن في طبيعتي وفي جيناتي، في الموهبة التي أعطاني الله إياها، أحب أن أغني ». ويضيف: « لا يمكن للفنان أن تكون لحلمه نهاية، دائما يقود الطموح والتطلع للأفضل خطواته. »

حفلة تعكس وجها جديدا للسعودية

عندما دخل محمد عبده إلى خشبة أوبرا غارنييه ضج المبنى التاريخي بالتصفيقات وكلمات الترحيب، وحدهم الذين لديهم علاقة عشق بفنان أو بفنانة سيفهمون تلك اللحظة التي يظهر فيها فنانهم المفضل على الخشبة، تلك اللمعة التي تنطلق من عيونهم وذلك الفرح وخفقات القلب التي لا تشبه أخرى. إنها حالة حب من نوع آخر. وهو ما حدث لخالد، شاب كويتي أخبرنا أنه جاء خصيصا من الكويت لحضور حفل محمد عبده.

كان يبكي تأثرا وهو يغني ويرقص بحماس في ممر جانبي قريب من المنصة، تاركا مقعده لأنه لم يحتمل ألا يتفاعل بطريقته مع كل أغنية. تماما مثل شابة لا تتجاوز الثلاثين من عمرها، جاءت من جدة لحضور الحفل، أخبرتنا أنه لم يكن ممكنا أن تفوت هذه الحفلة تحديدا، قائلة: « محمد عبده هو عشقي، وكان ينبغي أن ألتقيه في باريس، عاصمة الحب ». كان الاختلاط والرقص والغناء بين الجنسين عاديا، كما تخلت فتيات عن حجابهن مرتديات فساتين سهرة كلاسيكية تناسب جو الأوبرا الفرنسية.

استمر الحفل أربع ساعات متواصلة تضمّن أغان مختلفة من ريبرتوار غنائي متنوع يمثل مراحل زمنية مختلفة من تجربة فنان العرب الغنائية والذي يعتبر في بلاده رمزا للغناء السعودي والخليجي. في هذا الصدد يقول محمد عبده لـ دوتش فيليه: « الأغنية السعودية متميزة بين الألوان العربية الجميلة الأخرى كتلك الموجودة في مصر أو الشام أو باقي الدول. عندما تسمعها تدرك فورا أن لونها سعودي أو لونها خليجي، وهي تقف ضمن الألوان والألحان الناجحة في المنطقة العربية. »

حفلة « استثنائية » في الأوبرا

ولعل أهم ما يميز أغاني محمد عبده إلى جانب المقامات الخليجية التي أشار إليها، هو كلمات وقصائد أغانيه المتضمنة لصور شعرية جميلة، خصوصا تلك التي كتبها الشاعر الراحل فائق عبد الجليل والشاعر بدر بن عبد المحسن مثل: الرسائل، ليلة، صوتك يناديني وأغان أخرى، والتي حرص محمد عبده على غنائها في ليلة الأوبرا، استجابة لطلبات الجمهور الذي وبين أغنية وأخرى يطلب بصوت عال أشهر أغاني « أبونورة » كما يلقبونه، هاتفين بعبارات الحب والتقدير بينما كان محمد عبده يرد على جمهوره بكلمات ودودة مرة وبقبل في الهواء مرة أخرى. وهو ما أثار دهشة موظفي الأوبرا الفرنسيين المنتشرين في القاعة وهم يتساءلون عن مضمون تلك العبارات بين الفنان وجمهوره.

لقد كانت حفلة محمد عبده بالنسبة إليهم لا تشبه حفلة أخرى كما قال أحد رجال الأمن العاملين في الأوبرا، وذلك لطبيعة الجمهور والتفاعل الجماعي الحماسي والاقتراب من المنصة والتقاط سيلفي من بعيد مع فنانهم المفضل. يمكن القول إن تفهم الموظفين وأمن الأوبرا لخصوصية الجمهور الخليجي والجمهور العربي عموما ساهمت في إنجاح الحفلين اللذين أحياهما فنان العرب بكامل لياقته.

فرغم تجاوزه السبعين بثلاثة أعوام إلا أن صوته لا يزال صافيا وقويا في مواويله واللعب بين الطبقات الصوتية. عندما يغمض عينيه وينطلق في الغناء بإحساس دافئ، يأخذ الجمهور معه إلى عالم آخر مرتبط لدى الكثيرين بذكريات الطفولة والشباب وكذا بجو الصحراء العربية. ولذلك حرص محمد عبده في الوصلة الثانية على ارتداء اللباس الخليجي وغناء أغنية وطنية، يقول محمد عبده لـ دوتش فيليه: « الموسيقى مرآة الشعوب، وحتى تُعرف ببلدك وأرضك وشعبك ينبغي أن تبحث في تراثها. الموسيقى من تراث الأرض ولذلك موسيقانا فيها أصالة، تمثل الأرض وفي كلامها عذرية، أقصد عذرية الصحراء الجميلة. »

في ختام الحفل قال محمد عبده مداعبا جمهوره الذي طالب بالمزيد من الأغاني، إنه يود ذلك فعلا لكن موظفي الأوبرا سيطفؤون الضوء لأنه كان قد تجاوز الوقت المخصص له، فالساعة تخطت الواحدة صباحا، وفي ذلك الوقت تكون الأوبرا عادة قد أغلقت أبوابها.

ريم نجمي – باريس