دليل "أخضر".. كيف يمكن للحجاج خلق نموذج عالمي في حماية البيئة؟

دليل "أخضر".. كيف يمكن للحجاج خلق نموذج عالمي في حماية البيئة؟

يعدّ الحج أكبر محفل ديني في العالم، هو مناسبة روحية لكن لها كذلك تحديات كبيرة في البيئة.

منظمات أعلنت عن دليل « أخضر » لا يساهم فقط في توعية الحجاج والمعتمرين، بل دفعهم لأن يكونوا مثالاً لبقية العالم.

كيف ذلك؟

يتجه مئات الآلاف من المسلمين سنوياً إلى مكة لأداء مناسك الحج بشكل سنوي.

رقم تأثر كثيراً بسبب إجراءات كورونا وقرارات الإغلاق وتقليص الأعداد بسبب الجائحة، لكن وتيرة التوجه لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام مرّشحة إلى العودة لسابق عهدها بشكل تدريجي، في ظل رفع القيود واستمرار حملات التطعيم.

غير أن مناسك الحج والعمرة، لن تكون مستقبلا شعائر دينية فقط، ولكن يمكن أن تتحول إلى طريقة لتوعية 1.8 مليار مسلم عبر العالم بأهمية الحفاظ على البيئة، في عالم يتهدده التغيّر المناخي يوماً بعد يوم، إذ أطلقت منظمات غير حكومية دليلاً أخضرَ وتطبيقاً هاتفيا لمرافقة الحجاج والمعتمرين لأجل مناسك « صديقة للبيئة ومنسجم مع القيم الإسلامية ».

ويعطي الدليل عدة نصائح للحجاج والمعتمرين تبدأ قبل الانطلاق، منها المشاركة في الورشات البيئية التي سيعقدها منظمو رحلات الحج في مناطق السكن، وتفادي الأكياس البلاستيكية في توضيب الأغراض.

غداة الوصول يجب تجنب السيارات والحافلات، واستخدام خدمة المترو أو القطار، وتجنب الأطعمة والمشروبات المغلفة قدر الإمكان، والتضحية بأضحية واحدة لكل أسرة، والتخفيف من استهلاك مياه الوضوء والاغتسال، وكذلك الطاقة الكهربائية وغير ذلك من النصائح.

تحالف « أمة لأجل الأرض »، أعلن هذا الأسبوع، عبر مؤتمر صحفي تم تنظيمه رقمياً، عن إطلاق النسخة العربية من هذا الدليل الذي يؤكد حسب المنظمين أهمية دور المسلمين حول العالم في الحفاظ على الكوكب، وإلهامهم نحو « العمل المشترك مع باقي سكان الأرض، للحفاظ على درجات حرارة الكوكب تحت مستويات الخطر، وإنقاذ ما تبقى من موائل طبيعية وتنوع بيولوجي »، وفق ما تؤكده غنوى نكت – المديرة التنفيذية لمنظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في بيان صحفي للتحالف تلقت DW عربية نسخة منه.

وتشير حُسنى احمد، المديرة التنفيذيّة في منظمة « جلوبال ون » أن الدليل من شأنه تشجيع المزيد من المسلمين للانضمام إلى التحالف ومشاركة قصصهم الشخصية وتجاربهم في محاربة تغير المناخ، وإلهام وتحفيز القادة المسلمين وإثبات سبب اختيارهم لتمثيل وجهات النظر البيئية للمجتمع الإسلامي »، حسب البيان.

وتؤكد نهاد عواد، مسؤولة الحملات في مشروع « أمة لأجل الأرض »، أن حماية البيئة توجد « في صلب القيم والتعاليم الإسلاميّة.

فالقرآن الكريم والسنة النبوّية جعلوا من حماية البيئة واجب ديني يتوجّب من خلاله على المؤمن المحافظة على مكونات الأرض وثرواتها ومواردها إنطلاقًا من دوره كخليفة »، وذلك في تصريح لـDW عربية عبر البريد الإلكتروني.

ويتكون هذا التحالف من منظمات بيئية وشخصيات دينية وقادة فكر يريدون إنشاء حركة بيئية بين الشباب المسلم.

ومن بينهم منظمة « جلوبال ون » (منظمة إسلامية دولية للتنمية تقودها نساء)، وغرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (منظمة السلام الأخضر)، والإغاثة الإسلامية عبر العالم، والجمعية المغربية أطلس للتنمية.

تحديات واسعة

رغم كل الأخطار التي تحيط بالكوكب، وهي التي ظهرت بشدة هذا العام في فيضانات مفاجئة في عز الصيف وحرائق غابات وأعاصير، إلا أن الاهتمام بقضايا المناخ لا يزال ضعيفاً، خصوصا في المنطقة العربية والإسلامية التي لا تركز فيها الحكومات والأحزاب على برامج المناخ، ولا توجد نقاشات عمومية حول ما يتهدد الحياة.

والمتتبع لبرامج الأحزاب السياسية خلال الانتخابات في عدد من دول المنطقة لا يجد اهتماماً كبيراً بقضايا المناخ، أو يحضر فقط لأجل « إبراء الذمة » مع غياب استراتيجيات حقيقية، وفي الوقت الذي ارتفع فيه نجم أحزاب البيئة في الغرب، تبقى هذه الأحزاب قليلة في المنطقة الإسلامية ولا تحقق نتائج تذكر في الانتخابات.

يحدث رغم أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا توجد  » في الخطوط الأمامية من المواجهة مع تغير المناخ، إذ ترتفع فيها درجات الحرارة ومعدلات الجفاف باطراد »، حسب تقرير سابق للبنك الدولي، محذرا من أن المنطقة تعاني من أدنى مستوى من المياه العذبة في العالم، فضلاً عن وجود ثلاث دول عربية في المراكز الأولى لتقرير « معهد الموارد الدولي » حول شح المياه في العالم.

وتقول نهاد عواد إن بعض أكثر المجتمعات « عرضة للآثار السلبية لهذه التغيرات هي المجتمعات في الدول ذات الأغلبية المسلمة حول العالم »، مشددة أنه « بالرغم من أهمية هذا الخطر الداهم على مستقبلها، ما تزال خجولة بسياساتها والتزاماتها البيئية، كمجتمعات وحكومات، خاصة من ناحية خفض الانبعاثات الدفيئة في دولها والتحوّل نحو الحلول المستدامة ».

ويبقى أكبر تحدٍ يواجه قضايا المناخ هو رفع مستوى الوعي حول أهميتها، ويعمل التحالف من خلال هذا المشروع على « ربط الوعي البيئي مع القيم الروحيّة في مجتمعاتنا »، حسب المتحدثة.

العمل يجب أن يستمر في البلدان الأخرى

ولا تنحصر المسؤولية فقط على الحجاج والمعتمرين والدولة المضيفة (السعودية)، بل كذلك على الدول الأصل للحجاج، لذلك يحتوي الدليل « على توصيات للأفراد الحجاج كي يكملوا طريق الاستدامة في بلدانهم بعد الانتهاء من المناسك » تقول عواد، فضلاً عن « توصيات للحكومات كي تكون أكثر استدامة وأكثر فعالية في مواجه الآثار المترتبة على تغير المناخ ».

ويوصي الدليل الحكومات بالحرص على تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة، وبإنماء مدن نظيفة، خصوصا أن تاريخ الإسلام طويل مع المدن المستدامة حسب الدليل، ومن ذلك البناء بمواد مستدامة كالحجر والطين والخشب، واعتماد أنظمة تبريد كالمشربية التي توجد في مكة.

لكن ذلك مع ضرورة استخدام التكنولوجيات الحديثة لتمكين الأجيال من مستقبل مستدام له جذور في الماضي.

ويقترح الدليل تحديد أمثلة ناجحة عن فن العمارة الذي يخدم أهداف البيئة واستخدامها كنماذج في البناء، مع تشجيع الحكومات على تشييد مسارات للدراجات الهوائية والزيادة في مناطق المشاة.

إسماعيل عزام