حديث الثلاثاء: تأملات في النموذج التنموي الجديد

حديث الثلاثاء: تأملات في النموذج التنموي الجديد

في الحلقة الخاصة الثانية من البرنامج الأسبوعي لمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد «حديث الثلاثاء»، المتعلقة بقراءة بعض دعامات النموذج التنموي الجديد، ركزت إيمان لهريش، مسؤولة عن البرامج، الحوار حول مناقشة الشق السوسيو-اقتصادي لتقرير اللجنة المكلفة بهذا المشروع وأبرز مقتضياته المرتبطة بقطاعي الصحة والتعليم والسياحة وكذا التحـول الهيكلي للاقتصاد الوطني، إضافة الى إشكالية النوع الاجتماعي وآليات تتبع مخرجاته.

وذلك باستضافة العربي جعيدي، عضو باللجنة الخاصة بالنموذج التنموي ونزهة الشقروني باحثة بارزة بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد.

في البداية، صرح العربي جعيدي أن التشخيص الذي قامت به اللجنة المكلفة بالنموذج التنموي الجديد فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي الحالي أثبت على أن إحداث تحول بنيوي وهيكلي أصبح ضروريًا، خاصة وأن وتيرة النمو الاقتصادي التي سجلها المغرب في السنوات الأخيرة بطيئة. بهذا الصدد، أوضح الخبير الاقتصادي ان اللجنة دعت، من جهة، إلى تحديث الاقتصاد عن طريق إدماج الأنشطة الاقتصادية التقليدية وغير المنظمة لتسريع وثيرة النمو الاقتصادي. ومن جهة أخرى، أكدت على أهمية تنويع قطاعات الأنشطة الاقتصادية لتحرير الطاقات والإمكانات التي تقدمها بعض القطاعات التي لا تحظى بالدعم الكافي. أشار العربي جعيدي أيضا إلى ان تحفيز الابتكار

ورفع القيود على المبادرة وتحفيز التعاون بين الاستثمار الخاص والعام والرفع من القيمة المضافة للإنتاج المغربي عوامل أساسية يجب توظيفها أو إعادة النظر فيها للنهوض بالاقتصاد الوطني. وبالحديث عن قطاع السياحة والصدمة التي تعرض لها هذا الاخير بسبب الجائحة، أوضح العربي جعيدي أن الظرفية الحالية فرضت إعادة النظر في بنية وتوجهات هذا القطاع والتفكير في سياسة تنموية مختلفة تعنى بتحديثه وجعله أكثر مردودية في السنوات المقبلة.

ومن جهتها، قدمت نزهة الشقروني قراءاتها الخاصة لتقرير اللجنة المكلفة بالنموذج التنموي الجديد فيما يخص قطاعي التعليم والصحة. فأشارت بذلك الباحثة البارزة إلى أن المدرسة تقع في قلب التحديات التي تواجه النهوض بالمجتمع وبناء مغرب الغد، بحيث يستلزم قطاع التعليم إحداث مدارس تستجيب إلى حاجيات التربية اللازمة لإنشاء أفراد ذوي كفاءات عالية. علاوة على ذلك، أشادت نزهة الشقروني بنص التقرير على ضرورة إنتاج نظام مرجعي مبني على الهوية المغربية وإحداث وكالة تجمع بين الهيئات التعليمية والأسر المغربية بغرض إعطاء الاولوية للمسلسل التشاركي وتقليص الفوارق الاجتماعية الذي يقوم عليه المشروع التنموي الجديد.

أما فيما يخص الجانب الصحي للنموذج التنموي الجديد، أكد الضيفين على أهمية ما جاء في تقرير اللجنة من تشخيص وتوصيات مرتبطة أساسا بالنهوض بالبنية التحتية للقطاع وبمستوى الخدمات الصحية بالمغرب مع الإشارة إلى الجهود المبذولة حاليا في تفعيل مشروع تعميم التغطية الاجتماعية في شقها الصحي. بهذا الصدد، أوضح العربي جعيدي ان المغرب يفتقد الى خريطة صحية تشير إلى مناطق الضعف في البنيات التحتية والآليات الأساسية لتوفير الخدمات الصحية التي تراعي التباين الحاصل بين الجهات وبين المجالين القروي والحضري. وقد عقبت نزهة الشقروني على ما جاء في هذا السياق مشيرة إلى ان الصحة لا تقتصر فقط على المستشفى، بل ترتبط بالعديد من القطاعات التي يقتضي التنسيق بينها حكامة جيدة كفيلة بتوجيه المغرب نحو تحقيق نظام صحي متين قادر على مواجهة الجائحة والتحديات المشابهة المقبلة.

وجهت بعد ذلك إيمان لهريش الحوار نحو مناقشة سؤال تثبيت النوع الاجتماعي كرافعة مرتبطة بكل القطاعات السابق ذكرها. فتلخص موقف نزهة الشقروني في التعبير عن أهمية المشاركة الاقتصادية للنساء خاصة في الظرفية الحالية، مشيرة الى عجز المشروع التنموي الجديد على توفير حلول بديلة لأهم القضايا التي تهم المرأة المغربية كزواج القاصرات ومسألة الإرث واقتصاره على التوصية بالاستمرار في الحوار الهادئ بين المؤسسات المعنية والفاعلين في المجتمع المدني. وقد أعقب العربي جعيدي على هذه القراءة موضحا أنه لم تكن بالفعل الجرأة الكافية لتناول المعضلات الأساسية في قضايا المرأة داخل عمل اللجنة، داعيا بدوره الى ضرورة اعادة النظر في هذه الاشكاليات التي تعيق مسار تحقيق الإنصاف والمساواة بين الرجل والمرأة داخل المجتمع.

استمرت إيمان لهريش في تسيير المناقشة بطرح تساؤل حول وضع تقرير اللجنة لمؤشرات تصاحب مسار تنفيذ المشروع التنموي الجديد في أفق 2035، أجاب عليه العربي جعيدي مبرزا ان التقرير جاء بما يعادل خمسة عشرة مؤشر في مختلف الميادين، لكن تظل المؤشرات مرتبطة فقط بأهداف نوعية أو عددية نرجو تحقيقها، من وجهة نظره، ولا تقوى على التحكم في التقلبات التي يمكن أن يعرفها العالم.

في الختام، أكدت نزهة الشقروني على أهمية استمرار المقاربة التشاركية التي يحملها مشروع النموذج التنموي الجديد وترسيخ مبادئ إعادة بناء الثقة وتوصيل المعلومة الى كل مواطن ومواطنة عن طريق الحوار المستمر، وذلك في إطار ترجمة تملك المواطن والمجتمع المغربي لمبادئ وتوجهات هذا المشروع وبناء المسؤولية المشتركة لتفعيل هذا الأخير. ومن جهته اعتبر العربي جعيدي ان الميثاق الوطني للتنمية يقتضي التزامًا معنويًا بالأهداف التي جاء بها

ويستلزم إحداث آليات تنفيذية واستراتيجية لمتابعة البرامج والاقتراحات التي جاءت في تقرير اللجنة المكلفة بالنموذج التنموي الجديد.