تركيا قوة اقتصادية غير ناعمة تصطدم بـ"النسيج" المغربي و"القلوب" التونسية!

تركيا قوة اقتصادية غير ناعمة تصطدم بـ"النسيج" المغربي و"القلوب" التونسية!

خلال عقد ونيف تمكنت تركيا من أن تصبح لاعبا اقتصاديا رئيسيا في بلدان المغرب، لكن نهجها "غير الناعم" يضعها في مواجهة غضب محلي وإقليمي، يمكن قياس ميزان حرارته في المغرب وتونس. فماذا عن الجزائر وليبيا وإلى أين تسير الأمور؟

يعتبر عام 2004 مفصليا في علاقات تركيا الاقتصادية بالبلدان المغاربية، وقعت خلاله أنقرة اتفاقيات تبادل تجاري حر مع كل من المغرب وتونس.. وبعد ذلك عززت حضورها الاقتصادي مع الجزائر وليبيا وموريتانيا، معتمدة على قاعدة « رابح رابح » التي تكتسح بها أسواق عديدة بالقارة الأفريقية.

والمنطقة المغاربية كسوق واعدة بحوالي 100 مليون مستهلك، هي أيضا قاعدة جيواستراتيجية، تريد تركيا أن تنطلق منها نحو العمق الأفريقي، وقد قطعت في هذا السبيل أشواطا مهمة، لكن بأي ثمن؟

إن قراءة في سياق ومضمون الجدل المحتدم في المغرب وتونس حول الدور التركي، قد تسلط بعض الأضواء على خلفيات الدور التركي الذي يبدو أنه يخرج عن الطابع الناعم المعتاد أن تلعبه القوى الاقتصادية المؤثرة بالمنطقة، سواء التقليدية مثل أوروبا والولايات المتحدة أو حتى القوى التي دخلت على خط صراع النفوذ الاقتصادي وفي صدارتها الصين. فقد وصلت حدة التوتر بين أنقرة والرباط إلى تهديد هذه الأخيرة بإلغاء اتفاقية تبادل تجاري حر من جانب واحد. وفي تونس ترتفع الأصوات بشكل متواصل ضد ما يوصف بـ »النفوذ التركي » على حساب مصالح تونس الاقتصادية.

قفزة نوعية بأي ثمن؟

خلال عقد ونيف حققت تركيا قفزة نوعية في علاقاتها التجارية مع البلدان المغاربية. فقد استفادت تركيا من مناخ تفاوضي صعب كانت تجتازه مفاوضات المغرب وتونس حول اتفاقيات الشراكة مع الإتحاد الأوروبي، وتراجع اهتمام البلدان الأوروبية الرئيسية بالمنطقة المغاربية، واقتنصت فرصة توقيع اتفاقيات تبادل حر مع البلدين، رأت الرباط وتونس بأنها ورقة تفاوضية تساعدها في علاقاتها مع أوروبا. فقد التقت مصلحة تركيا الطامحة في اختراق الأسواق الأفريقية مع بحث البلدان المغاربية عن الخروج من هيمنة الشريك الأوروبي الكاسح منذ عقود على ثلثي مبادلاتها مع الخارج، في أفق بناء قاعدة شراكات تجارية واقتصادية متعددة الأطراف.

كما أصبحت تركيا شريك الجزائر الاقتصادي الأول في أفريقيا، ويعمل البلدان حاليا على رفع حجم المبادلات بنسبة 40 في المائة سنويا، في أفق توقيع اتفاق تبادل تجاري حر بين البلدين، وفق ما أعلن رئيس الحكومة الجزائري عبد المجيد تبون.

ووقعت تركيا مع موريتانيا عشرات الاتفاقيات حققت عبرها ارتفاعا في حجم المبادلات بنسبة 6 مرات خلال 10 سنوات، وترى تركيا في موريتانيا كموطئ قدم لها نحو سوق أفريقيا الضخم.

لكن العلاقات التجارية والاقتصادية بين تركيا وكل من المغرب وتونس، بدأت في الآونة الأخيرة تدخل توترا ملحوظا، فسّره مولاي حفيظ العلوي وزير الصناعة والتجارة والاستثمار المغربي، بوجود عجز تجاري قيمته 1,8مليار يورو، وتكبد بعض القطاعات الاقتصادية خسائر فادحة منها النسيج الذي خسر خلال أربع سنوات حوالي 122 ألف منصب عمل.

وشهد البرلمان المغربي جدلا واسعا حول دور الشركات التركية التي تتسببت إحداها في إغلاق 60 متجرا صغيرا في كل حي من أحياء المغرب تفتح به فرعا لها.

وبعد صراع لي أذرع بين أنقرة والرباط، وتحت وطأة تهديدات مغربية بإلغاء اتفاقية التبادل الحر وإغلاق بعض المؤسسات التركية، اضطرت تركيا إلى قبول مطالب المغرب المتمثلة بمراجعة الاتفاقية.

وفي تونس يحذر خبراء اقتصاديون من تداعيات التبادل التجاري « غير المتوازن » مع تركيا، على مصالح الفلاحين والتجار التونسيين، اذ يسجل الميزان التجاري عجزا بحوالي 700 مليون يورو. وتتداول الصحف المحلية بتونس قصص منتجي « القلوب السوداء » التونسية أو ما يطلق عليه المصريون مثلا « اللّب »، كمثال على فداحة خسائر الجانب التونسي، اذ تراجعت نسبة انتاج وأراضي زراعة نبتة « عباد الشمس » التي تنتج منها « القلوب السوداء »، إلى الثلث خلال خمس سنوات.

« السلطانة هيام » لها نفوذها!

ويعتقد الخبراء بأن اختلال الميزان التجاري لصالح تركيا، مرده ليس فقط النهج التركي « الجشع »، بل أيضا ضعف وتيرة تطور قطاعات النسيج والزراعة والصناعات الغذائية والكهربائية، في بلدان مثل المغرب وتونس، التي تواصل الاعتماد على سياسة الدعم الحكومي للإنتاج وغالبا ما يطبق بطريقة ريعية وغير شفافة، وتساهم في تكريس نفوذ جماعات مصالح محلية أو خارجية وخصوصا الفرنسية، عبر منحها امتيازات غير مبررة.

وأمام تفوق جودة المنتوجات التركية على منافساتها الصينية وانخفاض أسعارها مقارنة بالمنتوجات المحلية(مغربية أو تونسية) يقبل قطاع واسع من المستهلكين المحليين على البضائع التركية، المدعومة بحملات تسويقية وإعلامية منسقة..وكمثال ساطع على ذلك الإقبال الكبير من طرف النساء المغاربيات على الحُلي والمجوهرات التركية التي تحمل اسم « السلطانة هيام » بطلة مسلسل « السلطان سليمان » الذي يأسر قلوب ملايين المشاهدين في البلدان المغاربية. وهنالك مثال آخر نوقش في البرلمان المغربي، وقال أحد النواب أن أسعار بعض مواد النسيج التي تصنع منها أشهر الملابس التقليدية المغربية مثل القفطان والجلابة، تبلغ كمادة محلية أربع أضعاف سعرها كمواد مستوردة.

خصوم « السلطان أردوغان » بالمرصاد!

بيد أن محللين يعتقدون بأن معركة لي الذراع التي تشهدها علاقات أنقرة بعواصم المغرب خصوصا الرباط وأحيانا تونس، تتجاوز البعد الاقتصادي. فسياسة الاختراق الاستراتيجي التي ينتهجها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في المنطقة المغاربية، تجري منذ سنوات سابقة لأحداث الربيع العربي وهي ترتبط أساسا بتحول بلاده إلى قوة اقتصادية منافسة للشركاء التقليديين للبلدان المغاربية وعلى رأسهم فرنسا.

بيد أن وصول أحزاب إسلامية للحكم في تونس والمغرب، ساعد أردوغان على توسيع نفوذه السياسي والاقتصادي في البلدين، الذي يثير بالمقابل خصومه المحليين والإقليميين، وهو ما يسعر حدة الصراع بين حزب « النهضة » الحاكم في تونس وخصومه الليبراليين واليساريين على خلفية الملف التركي، ويمكن القياس عليه الجدل المحتدم بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وخصومه. ولا تبدو هذه الصراعات بعيدة عن أدوار قوى إقليمية أوروبية وخليجية لها حساباتها مع أردوغان.

وباستثناء المغرب الذي حافظ على طابعه التاريخي كدولة مركزية بالمنطقة المغاربية، ولم يخضع لسلطة الإمبراطورية العثمانية، فان بلدان المغرب الثلاثة الجزائر وتونس وليبيا، ظلت لمدة قرون تحت نفوذ السلطنة العثمانية، ومن هنا تظهر خلفيات النفور لدى الطبقة السياسية المغاربية وخصوصا منها الليبرالية واليسارية من عودة النفوذ العثماني في ثوب جديد، وهم يرون في خصومهم الإسلاميين بمثابة « الطابور الخامس » للسلطان أردوغان. ويعتقدون بأن أحزاب الإسلام السياسي تستفيد من النفوذ الاقتصادي التركي في بلدان المنطقة، عبر شبكة مصالح اقتصادية تتأسس عليها علاقات نفوذ على فئات من المجتمع تشكل قاعدة ناخبة لتلك الأحزاب.

لاعب تركي في مناطق فراغ استراتيجي

لكن الدور التركي في المنطقة المغاربية، يأخذ أبعادا استراتيجية أخرى، تبرز على الخصوص في الحالتين الجزائرية والليبية. فالجزائر وتركيا اللتان تربطهما علاقات شراكة اقتصادية كبيرة، تتقارب نظرتهما إزاء الملف الليبي الملتهب، ولديهما مقاربة مشتركة في عدد من الملفات داخل القارة الأفريقية في مواجهة النفوذ التقليدي الأوروبي والأمريكي، وتناغم غير معلن مع اللاعبين الصيني والروسي، أكبر شريكين للجزائر.

وتشكل ليبيا الحالة الأكثر دراماتيكية في لعبة تركيا بشمال أفريقيا، فخلال الأسابيع الأخيرة أظهرت سرعة تحرك مذهلة بينما كانت العواصم الأوروبية تغرق في خلافاتها وفي حساباتها مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، وظهر اللاعب التركي في دور أساسي مقابل الدور الروسي فوق رقعة الشطرنج الليبية.

ولا يبدو الدور التركي في ليبيا بدون ثمن اقتصادي، فتركيا تراهن على دعم حكومة فايز السراج المعترف بها دوليا لتأمين مصالحها من سوق الطاقة الليبية والتي عززتها بالاتفاق الأمني والبحري المثير للجدل والغضب لدى عواصم أوروبية وعربية وعلى رأسها القاهرة.

كما يؤدي اكتساح تركيا للسوق المحلية الليبية، إلى أضرار بليغة بالاقتصاد التونسي، بحسب خبراء تونسيين يحذرون من تراجع غير مسبوق في المبادلات التجارية مع ليبيا، ليس فقط بسبب ظروف الحرب بالبلد الجار، بل أيضا بفعل »غزو المنتوجات التركية التي باتت تهيمن على 80 في المائة من البضائع في الأسواق الليبية » كما يقول الخبير التونسي غازي معلي. وتراجعت مبادلات تونس مع ليبيا بنسبة 50 في المائة خلال السنوات التسع التي أعقبت الثورة في تونس وسقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي.

وبعيدا عما يثيره الدور التركي من صراعات محلية في بلدان المغرب، لا يبدو أنه في تراجع على الأقل في المدى القريب، في ظل تفكك العلاقات المغاربية وضعف قدراتها التفاوضية بشكل جماعي، وفي ضوء استمرار أجواء الخلافات بين العواصم الأوروبية، وحالة التراجع في الدور الأمريكي بشمال أفريقيا والشرق الأوسط.

منصف السليمي