بعد حادثتي تونس والمغرب..كيف يمكن وقف نزيف الطرقات؟

بعد حادثتي تونس والمغرب..كيف يمكن وقف نزيف الطرقات؟

لايزال نزيف الدم جراء حوادث الطرقات يؤرق بعض المجتمعات العربية حيث وقعت 3 حوادث سير متزامنة في تونس والمغرب والجزائر خلفت عشرات الضحايا. دوتش فيليه عربية تبحث في أسباب وحلول هذه الظاهرة المنتشرة في عدد من البلدان العربية.

في يوم واحد، حادثان دمويان أسقطا عشرات الضحايا تصادف وقوعهما في الدولتين الجارتين تونس والمغرب، ولم تكد تمر ساعات حتى وقع حادث مشابه في الجزائر، وسط تساؤلات حول أسباب انتشار حوادث الطرق في عديد من الدول العربية ومطالبات بوقف نزيف الدم على الطرقات.

كان وقع حادث سقوط الحافلة في تونس كارثي على الرأي العام وأثار غضبا عارما على مواقع التواصل الاجتماعي بعدما خلف 26 قتيلا و17 جريحا وسط اتهامات للسلطات بالتقصير. حتى أن الرئيس التونسي قيس سعيد أقرّ في تصريحات صحفية خلال زيارته موقع الحادث والمصابين بـ »سوء الوضع على مستوى الطرقات والسيارات والمرافق الصحية العمومية في الولايات »، لدرجة أنه وصف حوادث السير بـ »إرهاب الطرقات ».

وبحسب « المرصد الوطني لسلامة المرور » (حكومي)، سقط 999 قتيلا و7326 جريحا بسبب حوادث الطرقات الى حدود 29 نوفمبر، بينما قتل 1094 شخصا في العام 2018، حسبما أوردت وكالة « فرانس برس ».

في الأحد الدامي، لم يكد التونسيون يفيقون من مصيبتهم حتى لحقهم أشقاء بالمغرب في حادث أليم راح ضحيته 17 شخصا وأصيب 35 آخرون بجروح في انقلاب حافلة للركاب تقل 49 شخصا بعد اصطدامها مع سيارة خفيفة على متنها 3 أشخاص في إقليم تازة. ولأن المصائب لا تأتي فرادى، شهدت الجزائر في اليوم التالي (الإثنين)، حادث سير أيضا قتل فيه 4 أشخاص في اصطدام حافلة لنقل الطلاب بسيارتين سياحيتين.

وتتسبب حوادث السير في المغرب بمقتل نحو 3500 شخص كل سنة في المملكة التي تضم 35 مليون نسمة. وسبق وأن وضعت السلطات استراتيجية « وطنية للسلامة الطرقية » لمواجهة هذه المشكلة وتشديد المراقبة، وخصوصا بعد حادث حافلة بين مراكش وورزازات أسفر عن 42 قتيلا في سبتمبر 2012. وتطمح هذه الاستراتيجية إلى خفض عدد حوادث السير بالنصف بحلول عام 2026.

تلك الحوادث المتكررة أثارت تساؤلات ومطالب للمواطنين بحل المشكلة، إذ يقول رئيس الجمعية التونسية للوقاية من حوادث الطرقات على قناة التاسعة التونسية، عفيف الفريقي، إنه أسباب عديدة وراء تكرار حوادث الطرقات في مقدمتها تقاعس السلطات عن اتخاذ التدابير الوقائية للحد منها.

يضيف الفريقي، في حديث مع التليفزيون التونسي يوم الأحد 2 نوفمبر، أن « رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد سبق وأن أصدر عشرة قرارات لوقف نزيف الدماء على الطرق في ماي عام 2017، بينها تدريس مادة التربية المرورية على الطلاب بالمدارس والجامعات لكن تلك القرارات لم تنفذ »، بحسب الفريقي.

وأشار الفريقي إلى غياب إجراءات السلامة والكشف الدوري على السائقين وحالة السيارات، وعدم وجود رقابة كافية على الطرق وتردي حالة الطرق، مطالبا بهيئة معنية للسلامة المرورية تكون بها إدارة خاصة للحد من حوادث الطرقات.

ووفقا لتقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في 2018، فإن معدل حالات الوفاة بسبب حوادث الطرق في أفريقيا يبلغ 26.6 حالة بين كل 100 ألف شخص، وهو ما يقرب من ثلاثة أمثال المعدل في أوروبا التي سجلت 9.3 حالة بين كل 100 ألف شخص. وسبق للمنظمة أن نشرت في 2017 تقريرا تحت اسم « إنقاذ الأرواح – مجموعة تقنية للسلامة على الطرق » بهدف دعم صانعي القرار والممارسين في مجال السلامة على الطرق في جهود الحد من الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق في بلدانهم.

وفي الوقت الذي تعاني فيه دول عربية مثل تونس من ارتفاع حالات حوادث الطرقات، حققت مصر تقدما ملحوظا واستطاعت خفض معدلات حوادث الطرق -وفق تقرير الصحة العالمية-، بعدما كانت من بين أسوأ 10 دول في العالم من حيث ارتفاع معدلات حوادث الطرق التي تؤدي إلى الوفاة في عام 2016.

يقول خبير المرور المصري اللواء صفوت كامل، إن « مصر تبنت استراتيجية شاملة في عام 2013 للحد من حوادث الطرق بعدما أرهقها نزيف الدم وقد أتت تلك الاستراتيجية بثمارها بعد 4 سنوات ». وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (المصري)، تراجع حوادث السيارات على الطرق في مصر خلال النصف الأول من 2019 بنسبة 24.2% عن نفس الفترة من 2018.

يشرح كامل، في حديث مع دوتش فيليه عربية، أن خفض حوادث الطرق يتطلب أولاً عمل دراسة شاملة لأسباب ارتفاع معدلات الحوادث حيث تختلف من دولة لأخرى، بعدها هناك خطوات عملية متعارف عليها دوليا في مقدمتها فصل شاحنات النقل الكبرى عن السيارات الخفيفة بالطرق وإجراء صيانة دورية للطرق.

وبحسب مؤشر جودة الطرق الصادر عن المنتدى الاقتصادي الدولي لعام 2019، حصلت مصر على المرتبة 28 عالميا بعدما كانت تحتل المرتبة 45 في 2018، وقفزت المغرب إلى المرتبة 41 بعدما كانت في الـ48، وتقدمت الجزائر للمرتبة 68 بعدما كانت في المرتبة 86، فيما تأخرت تونس إلى المرتبة 96 بعدما كانت في المرتبة 81 العام الماضي.

يضيف كامل، أنه لابد من إجراء مراجعات وتدقيق الكشف الطبي على السائقين عند تجديد رخص القيادة كل عام وأيضا حملات مفاجئة على الطرق، لاسيما سائقي الشاحنات لأنهم يقطعون مسافات طويلة في القيادة ومعروف عن غالبيتهم تناول مواد مخدرة، مشيرا إلى أن تلك الإجراءات اتخذتها السلطات بمصر وأحرزت نتائج ملحوظة.

وتحدث كامل أيضا عن أن ضرورة توفير أدوات التحكم المروري في الطرق من أجل مساعدة السائقين في قضاء رحلة آمنة من وضع اللافتات الإرشادية والتحذيرية والتخطيط الأرضي والإشارات ضوئية، ونشر نقاط إسعاف وإغاثة لتقليل أي خسائر ناجمة عن الحوادث.

ولفت إلى أن انتهاء العمر الافتراضي للحافلات من الأسباب الجوهرية أيضا لتكرار الحوادث في غالبية الدول العربية حيث يتخطى معدل عمر استخدام الشاحنة 20 و25 عاما بينما في أوروبا لا يتخطى 15 عاما، مؤكدا ضرورة إجراء كشف فني دوري كل عام على السيارات المرخصة بالعمل. لكن خبير المرور المصري أكد في ختام حديثه أن الإرادة السياسية في النهاية هي العامل الحاسم في حل أي أزمة أو ظاهرة مثل حوادث الطرق.

محمد مجدي