العادات والتقاليد الرمضانية في الصحراء بين الثابت والمتحول

العادات والتقاليد الرمضانية في الصحراء بين الثابت والمتحول

العادات والتقاليد الرمضانية في الصحراء بين الثابت والمتحول

للعادات والتقاليد الرمضانية في الصحراء، تفرد وخصوصية، ما زال بعض منها متجذرة ومحافظ عليها، وبعضها الآخر تقاوم التغيرات التي طرأت على المجتمع الصحراوي، يعمل الأهل والمهتمون على ترسيخها حتى تبقى عنوان من العناوين الحضارية لهذه الربوع .

هذه التقاليد والعادات القديمة والعريقة، التي يحرص أهل الصحراء على الحفاظ عليها، تحيل على تراث أصيل، و هي حمالة لأهداف أخلاقية وتربوية وتواصلية ودينية لا سيما خلال شهر رمضان الأبرك.

وللوقوف على المتغير والثابت في هذا الموروث بجهة كلميم واد نون، خاصة، والأقاليم الجنوبية للمملكة، عموما، بسط المدير الجهوي للثقافة بكلميم واد نون، الطالب بويا العتيق، ألوانا متعددة لأهم العادات الشعبية المتداولة لدى المجتمع الحساني خلال شهر رمضان، من أبرز معالمها ممارسة ألعاب تقليدية ومسامرات ليلية يكون محورها الألغاز والأمثال والحكايات، معرجا على بعض الأطباق المحلية التي تزين موائد الإفطار والسحور.

وتوقف بويا العتيق ، وهو مهتم بالثقافة الحسانية، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، من ناحية أخرى، عند ما يميز ساكنة الصحراء في شهر رمضان، الذين وبالإضافة الى إيلائهم مزيد من الاهتمام بشؤون العبادة، أبدعوا ألعابا شعبية يروحون بها عن النفس.

وعلق بويا العتيق، وبنوع من الحسرة، « كان هناك أنس متكامل قبل أن يتقلص هذا الأمر »، عائدا الى الوراء قليلا، مسترسلا أن أهل الصحراء في شهر رمضان، وقبل موعد الإفطار يجزون الوقت في انتظار حلول وقت (العتمة) لحلب النوق وتوفير اللبن أو طهي الكسكس واللحم ، فكان لكل أفراد الأسرة ما يتسلى به، حيث يخوض الشيوخ في شؤون الدين والأحكام وسيرة الرسول صلى عليه الصلاة والسلام، فيما يتولى البعض الآخر مهمة إعداد الشاي الذي لا تخلو مائدة صحراوية منه مطلقا.

وذكر هنا بطقوس الشاي بالصحراء، التي أضحت معروفة وطنيا ودوليا، من الإعداد الى الشرب وفق متلازمة « الجيمات الثلاث » وهي « الجر » المقترنة بالتأني في تحضيره وتقليب الكؤوس حتى تظهر القشدة، و »الجمر » أي مادة الفحم، و »الجماعة » أي المجلس.

وفي وصف بديع للمكلف بالمهمة الصعبة المتمثلة في إعداد الشاي يقول الباحث بويا العتيق إنه « يتربع صامتا منتبها مركزا وكأن على رأسه الطير »، كما أن الشاي، وفق بويا العتيق،  » كان وسيلة لغايات متعددة ، فعلى طاولته تنسج الأحلام، وتنجز عقود الزواج، ويسمع الى الأشعار والمساجلة ».

أما الألعاب التي اهتدى إليها أهل الصحراء، في هذا السياق، تحدث عن لعبة « السيك »، وهي من الألعاب التي لا تزال متداولة بالمنطقة وتحرص الأسر الحسانية على الحفاظ عليها خلال هذا الشهر الفضيل رغم التحولات التي فرضتها حياة التمدن.

و »السيك » لعبة نسائية بامتياز، وإن كان يمارسها حتى بعض الرجال، تعتمد على المهارات والقدرات الذهنية ، وتمارس على لوح خشبي أو فوق كومة من الرمل وتأخذ شكل سنام جمل وتسمى « ليبرا ».

كما أشار الى لعبة « أكرور » الخاصة بالنساء قطعا، و »ضامة » التي يزاولها الرجال.

أما الأطفال والشباب فذكر بألعاب ومسليات كانت معروفة لديهم منها « دبلي » و « راح » و »قاش » ، وهي آليات تثقيفية وتربوية، مبرزا أن هذا النوع « طالته يد التغيير وأصبحت ممارستها منحصرة لدى بعض الأسر فقط ، بعدما تم تعويضها بالجلوس أمام التلفاز أو الانشغال بعوالم الهاتف المحمول أو التجوال خارج البيت ».

والى جانب هذه المسليات، لم يفت بويا العتيق الإشارة الى المسامرات الليلية عقب صلاة التراويح التي تكون على « سبيل السمر والمؤانسة والأحاجي والأمثال والحكايا »، كما يتم فيها مدح الرسول الأعظم.

ويستحضر لوازم مغناة تتردد في هذا الشهر الفضيل في مدح خير الآنام منها لازمة « النبي لعدو ليانها ».

وعرج بويا العتيق على التحول الذي طرأ على النظام الغذائي في كلميم واد نون، والصحراء عموما، بفعل الانتقال من حياة البدو والترحال الى حياة الاستقرار.

وأكد اختفاء أكلات شعبية كانت تزين المائدة الصحراوية منها « بلغمان » و »الزميت » و »العيش » و »تيشطار » (لحم مجفف)، والتي تم تعويضها بالأسماك واللحوم الحمراء والبيضاء (…) والفطائر والعصائر.

وخلص الباحث الى أنه وبالرغم من التحول الذي طرأ على النظام الغذائي والعادات والتقاليد خلال شهر رمضان، فإن أجواء هذا الشهر الفضيل الروحية والاجتماعية ظلت في كثير من تجلياتها راسخة في وجدان المجتمع الحساني كطقوس وممارسات شعبية وإن صبغت بألوان عصرية تختلف عما كان سائدا في مجتمع الصحراء في الماضي.